الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

271

تفسير روح البيان

كفار النفوس اللئيمة يقولون بلسان الحال ولا ينفعهم المقال يوم قيامة اضطرابهم لما رأوا الفضيحة والقطعية هذا يوم عسر صعب خلاصنا ومناصنا منه لا نجاة لنا ولا منجاة الا الاستمساك بعروة وثقى الروح والقلب وما يقدرون على ما يقولون لافساد استعداد هم بيد الأماني الكاذبة واختيار تلك الأماني الفاسدة الدنيوية على المطالب الصالحة الأخروية فعلى العاقل أن يختار الباقي على الفاني ولا يغتر بالأماني بل يجتهد قبل الموت بأسباب الخلاص والنجاة لكي يحصل له في الآخرة النعيم والدرجات والا فإذا خرج الوقت من اليد وبقيت اليد صفرا في الغد فلا ينفع الأسف والويل نسأل اللّه سبحانه أن يجعلنا من الذين أجابوا داعى اللّه ورسوله وتشرفوا بالعمل بالقرءان وقبوله وييسر لنا الفناء المعنوي قبل الفناء الصوري ويهيئ لنا من أمرنا رشدا فانا آمنا به ولم نشرك بربنا أحدا وهو المعين في الآخرة والأولى وبيده الأمور ردا وقبولا كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ اى فعل التكذيب قبل قومك يا محمد قوم نوح أو كذبوا نوحا فالمفعول محذوف وهو شروع في تعداد بعض الانباء الموجبة للازدجار وتسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نوحا تفسير لذلك التكذيب المبهم كما في قوله تعالى ونادى نوح ربه فقال رب إلخ فالمكذب في المقامين واحد والفاء تفسيرية تفصيلية تعقيبية في الذكر فان التفصيل يعقب الإجمال وفي ذكره بعنوان العبودية مع الإضافة إلى نون العظمة تفخيم له عليه السلام ورفع لمحله وزيادة تشنيع لمكذبيه فان تكذيب عبد السلطان أشنع من تكذيب عبد غيره وفيه إشارة إلى أنه لا شيء اشرف من العبودية فان الذلة الحقيقية التي يقابلها مقام الربوبية مختصة باللّه تعالى فكذا العبودية مختصة بالعبد وهي المرادة بالتواضع وهي غير التملق فان التملق لا عبرة به وفي الحديث ( انا سيد ولد آدم ولا فخر ) اى ليس الفخر لي بالرسالة وانما الفخر لي بالعبودية وخصوصا بالفقر الذي هو الخروج عن الوجود المجازى بالكلية وَقالُوا في حقه هو أو قالوا له انك مَجْنُونٌ اى لم يقتصروا على مجرد التكذيب بل نسبوه الجنون واختلال العقل وهو مبالغة في التكذيب لان من الكاذبين من يخبر بما يوافق العقل ويقبله والمجنون لا يقول الا مالا يقبله العقل ويأباه وَازْدُجِرَ عطف على قالوا فهو من كلام اللّه اى وزجر عن التبليغ بأنواع الأذية مثل الشتم والضرب والخنق والوعيد بالرجم قال الراغب وازدجر اى طرد واستعمال الزجر فيه لصياحهم بالمطرود نحو ان يقال اعزب عنى وتنح ووراءك وقيل هو من جملة ما قالوه اى هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته اى أفسدته وتصرفت فيه وذهبت بلبه وطارت بقلبه وفيه إشارة إلى أن كل داع حق لا بد وان يكذب لكثرة أهل البطلان وغلبة أهل البدع والأهواء والطغيان وذلك في كل عصر وزمان وأيضا قوم نوح الروح وهم النفس الامارة وصفاتها لا يقبلون دعوته إلى اللّه لأنهما كهم في الشهوات واللذات وصعوبة الفطام عن المألوفات واللّه المعين في جميع الحالات والمقامات اين جهان شهوتي بتخانه ايست * أنبيا وكافران را لأنه ايست ليك شهوت بندهء پاكان بود * زر نسوزد زانكه نقد كان بود